ابن كثير
105
السيرة النبوية
إذ كبت ببشر ناقته ، فتعس بشر ، غير أنه لا يكنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال له الأسقف عند ذلك : قد والله تعست نبيا مرسلا . فقال له بشر : لا جرم ، والله لا أحل عنها عقدا حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : وصرف وجه ناقته نحو المدينة ، وثنى الأسقف ناقته عليه ، فقال له : افهم عنى ، إنما قلت هذا ليبلغ ( 1 ) عنى العرب مخافة أن يروا أنا أخذنا حقه أو رضينا بصوته أو نخعنا ( 2 ) لهذا الرجل بما لم تنخع به العرب ، ونحن أعزهم وأجمعهم دارا ، فقال له بشر : لا والله لا أقبل ما خرج من رأسك أبدا . فضرب بشر ناقته وهو مولى الأسقف ظهره ، وارتجز يقول : إليك تغدو قلقا وضينها ( 3 ) * معترضا في بطنها جنينها مخالفا دين النصارى دينها حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ولم يزل معه حتى قتل بعد ذلك . * * * قال : ودخل الوفد نجران ، فأتى الراهب ابن أبي شمر الزبيدي وهو في رأس صومعته فقال له : إن نبيا بعث بتهامة . فذكر ما كان من وفد نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه عرض عليهم الملاعنة فأبوا ، وأن بشر بن معاوية دفع إليه فأسلم . فقال الراهب : أنزلوني وإلا ألقيت نفسي من هذه الصومعة . قال : فأنزلوه فأخذ
--> ( 1 ) ا : فبلغ . ( 2 ) نخعنا : أقررنا . ( 3 ) الوضين : بطان عريض منسوج من سيور أو شعر . وقلق الوضين : كناية عن الهزال .